أبو حامد الغزالي

77

محك النظر

بأولى من نقيضه كلفظ المشتري ، إذ لا يمكن أن يقال استعير الكوكب من العاقد أو العاقد من الكوكب أو وضع لأحدهما أولا ثم حدث الثاني بعده ، وكذلك لفظ المفعول والفاعل فيما لا يختلف تصريفه كقولك اختار يختار اختيارا فهو مختار وذلك مختار ، فالفاعل والمفعول لهما صيغة واحدة وليس اللفظ بأحدهما هو أولى من الآخر ، وليس كذلك لفظ الأم ل ( حوّاء ) فإنها أم البشر ، والأرض فإنها تسمّى أم البشر ولكن الأول بالوضع والثاني بالاستعارة . ولا كذلك الألفاظ التي نقلت وغيّرت كلفظ المنافق والفاسق والكافر والملحد والصوم والصلاة وسائر الألفاظ الشرعية فإنها مشتركة لأمرين مختلفين ، ولكن لبعضها أول ولبعضها ثان ، أي منقول من البعض إلى البعض . فالأول منقول عنه والثاني منقول إليه . وقد حصل مقصود الاشتراك وإن كان على الترتيب ، كما حصل في لفظ العاقد والكوكب وإن لم يكن على الترتيب ، مثال الغلط في المشترك حتى تستدل به على غيره فإن الحال ليس يحتمل استقصاء هذه المفاضة . أما سمعت الشافعي رضي اللّه عنه في مسألة لمكره يقول يلزم القصاص لأنه مكره مختار . ويكاد الذهن ينبو عن التصديق بالضدين فإنه محال . فنرى الفقهاء يعثرون فيه ولا يهتدون إلى حلّه وإنما ذلك لأن لفظ المختار مشترك ، إذ قد يحمل لفظ المختار مرادفا للفظ القادر ومساويا له إذا قوبل بالذي لا قدرة له على الحركة الموجودة ، كالمحمول فنقول هذا عاجز محمول هذا مختار قادر ويراد بالمختار القادر الذي يقدر على الفعل والترك ، وهذا يصدق على المكره . وقد يعبّر بالمختار عمّن تخلى في استعمال قدرته ودواعي ذاته ولا تحرر دواعيه من خارج ، وهذا يكذب على المكره ونقيضه وهو أنه ليس بمختار يصدق عليه ، فإذا صدق أنه مختار وصدق أنه ليس بمختار ولكن بشرط أن يكون مفهوم المختار المنفي غير مفهوم المختار المثبت . ولهذا نظائر في النظريات لا تحصى تاهت بسببها عقول الضعفاء فاستدل بهذا اليسير على الكثير . فإن الحال ليس يحتمل التطويل وأقنع بهذا القدر من النظر في دلالات الألفاظ وإن كان فيها مباحث سواه .